الخطيب الشربيني
658
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
على ظهر بيت المقدس ، ولواء على ظهر المسجد الحرام ، ولواء على ظهر سيناء ، ولا يدع بيتا فيه مؤمن ولا مؤمنة إلا دخله وسلم عليهم ، يقول : يا مؤمن ويا مؤمنة السلام يقرئك السلام إلا على مدمن خمر ، وقاطع رحم ، وآكل لحم خنزير . وعن أنس أنّ رسول الله صلى اللّه عليه وسلم قال : « إذا كان ليلة القدر نزل جبريل عليه السلام في كبكبة من الملائكة يصلون ويسلمون على كل عبد قائم ، أو قاعد يذكر الله تعالى » « 1 » . وهذا يدل على أن الملائكة كلهم لا ينزلون ، وظاهر الآية نزول الجميع وجمع بين ذلك بما روي أنهم ينزلون فوجا فوجا كما أنّ أهل الحج يدخلون الكعبة فوجا بعد فوج ، وإن كانت لا تسعهم دفعة واحدة كما أن الأرض لا تسع الملائكة دفعة واحدة ، ولذلك ذكر بلفظ تنزل الذي يقتضي المرّة بعد المرّة ، أي : ينزل فوج ويصعد فوج والله أعلم بذلك . وعن أبي هريرة رضي الله عنه : أن الملائكة في تلك الليلة أكثر من عدد الحصى ، وقال بعضهم : الروح ملك تحت العرش ورجلاه في تخوم الأرض السابعة وله ألف رأس أعظم من الدنيا ، وفي كل رأس ألف وجه ، وفي كل وجه ألف فم ، وفي كل فم ألف لسان يسبح الله تعالى بكل لسان ألف نوع من التسبيح والتحميد والتمجيد ، ولكل لسان لغة لا تشبه لغة أخرى . فإذا فتح أفواهه بالتسبيح خرّت ملائكة السماوات السبع سجدا مخافة أن تحرقهم أنوار أفواهه ، وإنما يسبح الله تعالى غدوة وعشية فينزل في ليلة القدر لشرفها وعلوّ شأنها فيستغفر للصائمين والصائمات من أمة محمد صلى اللّه عليه وسلم بتلك الأفواه كلها إلى طلوع الفجر . وعن عليّ أنه صلى اللّه عليه وسلم قال : « رأيت ليلة أسري بي ملكا رجلاه جاوزت من الأرض السابعة السفلى ، ورأسه من السماء السابعة العليا ، ومن لدن رأسه إلى قدميه وجوه وأجنحة في كل وجه فم ولسان يسبح الرحمن تسبيحا لا يسبحه العضو الآخر ، ولو أمره الله تعالى أن يلتقم السماوات السبع والأرضين السبع لقمة واحدة كما يلتقم أحدكم اللقمة لأطاق ذلك ، ثم لم تكن تلك في فيه إلا كلقمة أحدكم في فيه ، ولو سمع أهل الدنيا صوته بالتسبيح لصعقوا ، ما بين شحمة أذنه إلى منكبه خفقان الطير السريع سبعة آلاف سنة ، وهو رأس الملائكة » « 2 » . وقيل : الروح طائفة من الملائكة لا تراهم الملائكة إلا في تلك الليلة ينزلون من لدن غروب الشمس إلى طلوع الفجر . بِإِذْنِ رَبِّهِمْ أي : بأمر المحسن إليهم المربي لهم مِنْ كُلِّ أَمْرٍ أي : قضاه الله تعالى فيها لتلك السنة إلى قابل ، وتقدّم الجمع بينها وبين ليلة النصف من شعبان ، ومن سببية بمعنى الباء . الوجه الثالث : فضائلها ما ذكره تعالى بقوله سبحانه : سَلامٌ أي : عظيم جدّا ، وهو خبر مقدّم والمبتدأ . هِيَ جعلت سلاما لكثرة السلام فيها من الملائكة لا يمرّون بمؤمن ولا مؤمنة إلا سلمت عليه ويستمرّون على ذلك من غروب الشمس حَتَّى أي : إلى مَطْلَعِ الْفَجْرِ أي : وقت مطلعه ، أي : طلوعه . وقرأ الكسائي بكسر اللام على أنه كالمرجع أو اسم زمان على غير قياس كالمشرق ، والباقون بفتحها . ومن فضائلها أنّ من قامها غفرت له ذنوبه ففي الصحيحين : « من قام ليلة القدر إيمانا
--> ( 1 ) أخرجه التبريزي في مشكاة المصابيح 2096 ، والسيوطي في الدر المنثور 6 / 377 ، والقرطبي في تفسيره 20 / 134 . ( 2 ) أخرجه بنحوه الهيثمي في مجمع الزوائد 1 / 80 .